مجمع البحوث الاسلامية
66
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كما جاء في الآية أي : اصرفني وباعدني عن عبادة الأوثان . قال الفخر الرّازيّ : « وأصله : جعل الشّيء عن غيره على جانب وناحية » فيبدو أنّه أرجع الفعل إلى معنى « جانب » فيكون مفهوم الصّرف والبعد ونحوهما لازم المعنى لا عينه ، وسنبحثه . - أشكل أمر هذا الدّعاء على المعتزلة والشّيعة ؛ حيث إنّ إبراهيم عليه السّلام سأل اللّه أن يصرفه عن عبادة الأوثان ، فدلّت على أنّ أفعال العباد هي فعل اللّه ، كما قالت الأشاعرة ، وقد احتجّ بها بعضهم ، قال الآلوسيّ : « واستدلّ بعض أصحابنا بالآية على أنّ التّبعيد من الكفر والتّقريب من الإيمان ليس إلّا من اللّه تعالى . . . » . لكن مخالفيهم حملوها تارة على أنّه لطف من اللّه يقرّبهم إلى التّوحيد ، وهو فعلهم وليس فعل اللّه ، وأخرى على أنّ معناه : ثبّتني وأدمني على اجتناب عبادتها . لكن الوجه الأخير لا يرفع الإشكال . وأجاب عنها الطّباطبائيّ بأنّ العبد يملك الاجتناب من عبادة الأوثان بتمليك اللّه إيّاه ، وأنّ معناه التّوفيق دون إيجاد الفعل . وللبحث مجال واسع ، فلاحظ النّصوص هنا وفي نظائرها من الآيات ، وهي كثيرة . 4 - قال البيضاويّ : « فيه دليل على أنّ عصمة الأنبياء بتوفيق اللّه وحفظه إيّاهم » وكأنّه أراد أنّ العصمة ليست في ذواتهم بكونهم طورا وراء غيرهم من البشر ، وهذا معنى ما روي عن بعض الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام : « المعصوم من عصمه اللّه » . 5 - وأورد الفخر الرّازيّ بأنّ دعاءه تخلّف من جهات ، وأجاب عنها بوجه أو وجوه ، فلاحظ . ثانيا : جاء منها فعل الاجتناب « 9 » مرّات في ( 2 - 9 ) وفيها بحوث : 1 - الاجتناب « افتعال » من « جنب » ، والمناسب من معاني باب الافتعال هنا المبالغة في المعنى نحو اكتسب ، أي بالغ في الكسب ، أو المطاوعة إيماء إلى نهاية طاعة اللّه في تجنيبه العبد عن عبادة الأوثان . وعلى الوجهين فهو متعدّ إلى مفعولين ، فمعنى اجتنب عملا : بعد عنه وتركه بجدّ ، أو تبعا لمن جنّبه ، وجاء دائما في ترك المحرّمات العظام كالشّرك في ( 2 - 4 ) ، وقول الزّور في ( 4 ) ، وظنّ السّوء في ( 5 ) ، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام في ( 6 ) ، والرّجس والإثم وعمل الشّيطان في ( 4 - 6 ) ، والكبائر في ( 7 - 9 ) . وهناك وجه آخر للمبالغة فيه ، وهو أنّه - كما سبق - مأخوذ من « جانب » : اجتنب عملا : تركه جانبا ، وصار أجنبيّا عنه ، وهو عند الطّباطبائيّ مأخوذ من « الجنب » بني منه الفعل على الاستعارة ، فإنّ الإنسان يستقبل الشّيء بوجهه ويعرض عنه بجنبه ، ولكونه استعارة ، فهو - كما قال الرّاغب - أبلغ من التّرك ، لأنّ ترك شيء لا يستلزم البعد عنه . وعند القرطبيّ والصّابونيّ : معناه البعد عن الشّيء بالكلّيّة ، مثل وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى الإسراء : 32 ، لأنّه إذا حرّم قرب الشّيء فقد حرّم كلّا ورأسا ، فالاجتناب عن الخمر مثلا يقتضي تركه مطلقا ، فلا ينتفع به بوجه من الوجوه : لا بشرب ، ولا بيع ، ولا تخليل ، ولا مداواة ، ولا غير ذلك . وبالجملة كلّما كانت الحرمة فيه شديدة